أحمد بن محمود السيواسي

218

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( فَقالَ ) الهدهد ( أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ) أي أني أطلعت على قوم وعرفت من بلادهم وأحوالهم ما لا تعلمه أنت ولا أحد من جندك ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ ) اسم بلدة أو قبيلة لا تنصرف بالفتح لتعريفه وتأنيثه ، وقرئ بالجر مع التنوين « 1 » منصرف اسم لحي ، قوله ( بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) [ 22 ] متعلق بالمجيء ، وال « نبأ » الخبر الذي له شأن ، وال « يقين » العلم الذي لا يشوبه الشك والشبهة ، فبينه بقوله ( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ) أي تملك قومها واسمها بلقيس بنت شراحيل ، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الملك وأمها جنية لأنه ما كان يرى التزوج من الإنس ( وَأُوتِيَتْ ) تلك المرأة ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يليق بها من أسباب الدنيا من الأموال والجنود وغيرها ( وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ) [ 23 ] أي سرير كبير بالنسبة إلى أبناء جنسها ، قيل : في وصف عرشها كان ثمانين ذراعا في ثمانين وسمكه ثمانين « 2 » أو ثلاثين « 3 » ، وكان من ذهب وفضة مكللا بالدر والزمرد والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ، وكانت « 4 » قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر وزمرد ، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 24 ] وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 ) ثم أخبر عن دينها بقوله ( وَجَدْتُها وَقَوْمَها ) مجوسا ( يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ) أي يعبدونها ( مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) الخبيثة ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) أي عن طريق الهدى وهو الإسلام ( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) [ 24 ] أي لا يعرفون دين الحق ، وإنما خفي حالها على سليمان مع قربه منها لمصلحة رآها اللّه كما أخفي عن يعقوب مكان يوسف ، وإنما أنكر الهدهد سجودهم للشمس واهتدى إلى معرفة اللّه تعالى ووجوب السجود له ، لأنه ألهمه اللّه ذلك كما يلهم سائر الطيور والحيوانات المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء يهتدون بها « 5 » . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 25 ] أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) ( أَلَّا يَسْجُدُوا ) بالتشديد « 6 » ، « أن » فيه ناصبة بدل من أعمالهم أو مفعول « يَهْتَدُونَ » و « لا » زائدة ، أي لا يهتدون أن يسجدوا أو تقديره : لئلا يسجدوا متعلقا بقوله « فصدهم السبيل أو ب « زين » ، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه : أن الهدهد قال عند ذلك لهم ألا يسجدوا ، « ألا » حرف التنبيه ، و « يا » حرف النداء والمنادى محذوف ، أي ألا يا قوم اسجدوا ( لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) أي المخبوء وهو ما غاب من الثلج والمطر والنبات والأشجار ( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ) [ 25 ] أي يعلم سر أهلهما وجهرهم ، قرئ فيهما بتاء الخطاب وبياء الغيبة « 7 » . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 26 ] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) قوله ( اللَّهُ ) خبر مبتدأ محذوف ، أي الذي يعلم ذلك اللّه ( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي هو المستحق للعبادة لا غير ، قيل : من « أَحَطْتُ » إلى قوله ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) [ 26 ] من قول الهدهد « 8 » ، والتخفيف والتشديد في « أَلَّا يَسْجُدُوا »

--> ( 1 ) « سبأ » : قرأ البزي والبصري بفتح الهمز من غير تنوين ، وقنبل باسكانها ، والباقون بكسرها منونة ، وأبدل الهمز وقفا حمزة وهشام ولهما تسهيله بالروم ولا يبدله السوسي وقفا لعدم سكون همزه أصالة . البدور الزاهرة ، 234 . ( 2 ) عن مقاتل ، انظر البغوي ، 4 / 298 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 493 . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 4 / 298 . ( 4 ) وكانت ، ح و : فكانت ، ي . ( 5 ) بها ، ح ي : لها ، و . ( 6 ) « أَلَّا يَسْجُدُوا » : قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويس بتخفيف اللام ولهم الوقف ابتلاء على ألايا معا ويبتدئون باسجدوا بهمزة مضمومة ، ولهم الوقف اختبارا كذلك على ألا وحدها ويا وحدها والابتداء أيضا اسجدوا بهمزة مضمومة ، أما في حالة الاختيار فلا يصح الوقف على ألا ولا على يا ، بل يتعين وصلهما باسجدوا ، والباقون بتشديد اللام . البدور الزاهرة ، 234 - 235 . ( 7 ) « تخفون » ، « تعلنون » : قرأ حفص والكسائي بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 235 . ( 8 ) لعل المؤلف اختصره من البغوي ، 4 / 299 .